الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

180

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا تنازعوا فيه ، فإنه لا يختلف ولا يتساقط : ألا ترون أن شريعة الإسلام واحدة حدودها وقراءتها ، وأمر اللّه فيها واحد . لو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء وينهى عنه الآخر ، كان ذلك الاختلاف . ولكنه جامع ذلك كله . ومن قرأ قراءة فلا يدعها رغبة عنها ، فإنه من كفر بحرف من كفر به كله » ا ه . ( الشبهة الثانية ) : يقولون : إن هذا الاختلاف في القراءات ، يوقع في شك وريب من القرآن . خصوصا إذا لاحظنا في بعض الروايات معنى تخيير الشخص أن يأتي من عنده باللفظ وما يرادفه ؛ أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى ، كحديث أبى بكرة ، وفيه « كلها شاف كاف ، ما لم تختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعال ، وأقبل ، وهلمّ ، واذهب ، وأسرع ، وعجل » . جاء بهذا اللفظ من رواية أحمد بإسناد جيد ومثله حديث أبىّ بن كعب . وأكثر من ذلك ما جاء في فضائل أبى عبيد أن عبد اللّه بن مسعود أقرأ رجلا : « إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ » فقال الرجل : « طعام اليتيم » فردّها عليه ، فلم يستقم بها لسانه : فقال : أتستطيع أن تقول : طعام الفاجر . قال : نعم . قال : فافعل . » ا ه . والجواب : أن اختلاف القراءات لا يوقع في شك ولا ريب ما دام الكلّ نازلا من عند اللّه . وأما هذه الروايات التي اعتمدت عليها الشبهة ؛ فلا نسلم أنه يفهم منها معنى تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه باللفظ وما يرادفه ، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى ، حتى يوقع ذلك في ريب من هذا التنزيل . بل قصارى ما تدلّ عليه هذه الروايات أن اللّه تعالى وسع على عباده ، خصوصا في مبدأ عهدهم بالوحي ، أن يقرءوا القرآن بما تلين به ألسنتهم وكان من جملة هذه التوسعة القراءة بمترادفات من اللفظ الواحد للمعنى الواحد ، مع ملاحظة أن الجميع نازل من عند اللّه ، نزل به الروح الأمين ، على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ،